القاضي النعمان المغربي

130

المناقب والمثالب

وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مدة ذلك كله مجدّا ومجتهدا في الدعاء إلى اللّه عزّ وجلّ ، حريصا على أن يهدي اللّه به عباده ، صابرا على أذى من يؤذيه ، والقرآن ينزل عليه والوحي من اللّه عزّ وجلّ في كل وقت يأتيه ، والآيات والبراهين تنبي عنه وتشهد له ، وأعداءه من عبد شمس وبني أمية الذين قدّمنا ذكرهم ، ومن استمالوه إليهم مجتهدون في اعتراضه بالمكروه ، يبغونه الغوائل وينصبون له الحبائل ويصدون عنه من قدروا عليه أن يصدوه من قومهم ، وممّن طرأ إليهم من غيرهم ممّن سمع بخبره وانتهت إليه آياته ، وعمّه أبو طالب على النصرة والمكافحة دونه ، لا يصل إليه أحد منهم بسوء معه إلّا بالوقيعة واللمز والأذى باللسان ، فكان صلّى اللّه عليه وآله إذا ضاق صدره استراح إليه ، وإذا دهمه من قريش أمر فرّجه عنه ، ووجد أيضا في حمزة رحمه اللّه عونا كثيرا ونفعا عظيما ، وتحاماه كثير من سفهاء قريش من أجله . [ عام الحزن ] وكان إذا أوى إلى بيته وحدّث خديجة بما يناله عزته في ذلك ، ووجد إليها الراحة فيه وبذلت له مالها وقامت في خدمته بنفسها ، فلم يكن له صلّى اللّه عليه وآله ممّن يستريح إليه ويجد الفرج لديه آثر عنده منها ومن عمه أبو طالب ، فماتا جميعا في عام واحد ، فعظم ذلك على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله واشتد حزنه له ، وتطاول إليه سفهاء بني عبد شمس ومن والاهم من قريش لمّا مات أبو طالب ، فنالوا منه بالأذى وضعف أمر بني هاشم بعد أبي طالب ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقول : « ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب » . فلم يكن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بعد أبي طالب أحد يستريح إليه ويتضرح عنده بما لديه غير علي بن أبي طالب ، فإنه بلغ مبلغ الرجال ، وأيده اللّه عزّ وجلّ به وخصه بأخوّته ووصيته ، فكان بعد أبيه يستريح ويعول في أسبابه عليه ، إلى أن كثر أذى أعداءه له ، وأذن اللّه عزّ وجلّ بالهجرة له ، وحرمهم خيره وأزال عنهم بركته ، فهاجر